الشمس من عليائها تسحب أناملها , الريح تصفق الزوايا بهدير وتيارات وأنا كنت ألملم شعري المتناثر عائدة لداري ، هناك تعود لروحي الطمأنينة، جزء منها تملؤه الرهبة إني أتقمص الدور ولا أشعر بلذة الحياة.
عندما كانت صغيرة كانوا ينادونها بقولهم إنها قديسة.. قال قائل.. إنها راهبة.. أحدهم: لا بل هي إرهابية! بينما أنا كنت أوبخها وأقول بأنها عاجزة عن تكوين صداقات والعيش بمفهوم عصري خوفا عليها حتى لا توصم بأنها رجعية التفكير…تبكِ أبنتي لكن صوتا موغلا في ذاتها وفي ملامحها كان يصرخ إنها من هناك.. ظبية..عيناها فصيحتان..جبينها..سحنتها.. طُهرها كل شيء يشي بأنها من بلاد الرمال، أما هنا فهي تتهم بأنها نبت يغذيه الشيطان..إذن هي حالة حرجة في بلد أجنبي…ربما هي تدفع ضريبة وجودي وأبيها رحمه الله!
هي تسرع الخطوات في اتجاهين الأول مدرستها والثاني مركز المسجد بواجهته المتواضعة لا يبدو كمسجد فهو امتداد لبناية سكنية تقطنها جاليات عربية مسلمة.
إنها( فينوس).. دعوة الحب..والجمال. شاءت الأقدار ذات يوم أن وقفت أمام طابور طويل فيه أناس يحملون شعارات التسامح..الحب و الحوار في مقابل لغة الرفض والإقصاء، لم أستطيع تركها وحيدة لذا خرجت مرة أخرى قاصدة إياها، سرت في ذات الاتجاه حيث المسجد وأمام الباب مباشرة أخرجت حجابا نفضت عنه تثاؤب الخزائن ثم ارتديته على عجل.
في زاوية للمسجد وجدتها كانت تجلس جلسة لبقة، بدت كملاك في خطاب مع السماء، لم أحزن ولم أفرح، لم أبك ولم أضحك، لم أشح بوجهي عنها ولم أنادي عليها. لم أقُل لها أنتِ من رحم مسلمةِ ودم عربي.
يوم ولدت على هذه الأرض الباردة احتضنتك فشعرت بحرارة الأرض المنسية تلك التي جاءت بأهلك من لهيب الاحتلال والحرب.
أخفيتكِ عن أعينهم خلف الضباب، بعيدا حيث لا يجدوننا، مولودة تحملين جواز سفر لا يشبهكِ، يحررك من كل شيء إلا من قيد يلف جبينكِ، فعلت ذلك لأجلك يا ابنتي. منعتُ عنك الحجاب كي لا يطعنوكِ بنظراتهم ويحرقوك بألسنتهم، ليصبحوا عاجزين عن ردك إلى القمع والظلم، إلى مصير مجهول، تحت وطأة الإرهاب في بلد يصلي للسماء.. كل هذا… ألا تقدرين تضحيتي !
ألتفتت (فينوس) نحوي …. رسمت ابتسامة و جاءت تشد على يدي: الله معنا، لن يتركنا، هذا ديننا…وهذه عزتنا! كانت لغتها حمامة بيضاء، صوتها ما أحلاه !
بعد
المزيد
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ