كتبهامــريـم ، في 22 مارس 2011
الساعة: 01:23 ص

في زيارتي لمعرض الكتاب ابوظبي 2011 إقتنيت مجموعة قصصية للقاصة الدكتور فاطمة حمد المزروعي ( نهار الظباء) من إصدارات هيئة الثقافة والتراث
مجموعة جدا جميلة .. مازالت بين يدي لأقرأها أكثر لكن هنا أحببت أن تشاركوني الرفـ بهذه القراءة الممتعة وقصة وجه الشبه
 |
|
|
| |
 |
| وجه الشبه
كان يوماً عادياً من أيام فبراير. يوم خميس، أتذكر ذلك جيداً. ذهب أهلي كلهم ما عدا والدتي، واصطحبوا معهم أولادي إلى جزيرة الشويهات. وعدت في ذلك اليوم من عملي مرهقة، وبدلاً من أن أتجه إلى بيتي دخلت بيت أبي المجاور، فقد كان زوجي مسافراً في مهمة عمل، ولا أحد معي في البيت، لذا تغديت مع أمي وأنا أمني نفسي بإجازة نهاية أسبوع أتفرغ فيها للكتابة والقراءة.
حين صعدت الدرج إلى الطابق الثاني قررت أن أنام ساعتين، وبعدها سأتفرغ للقراءة، هذا ما قلته لنفسي مستمتعة بكوني بلا أحمال ولا مسؤوليات. استيقظت من النوم وأنا أعاني من صداع قوي. تحاملت على هذا الصداع الذي سيشطر رأسي. نزلت إلى الطابق السفلي فوجدت البيت غارقاً في الصمت. دخلت المطبخ الذي كان نظيفاً فأعددت قهوة تركية، نظرت للصينية التي بين يدي وقد أضفت بعض ألواح الشكولاته، فشعرت بالرضا لأن القراءة والكتابة تحتاجان دائماًً إلى شكولاته، وهذا تبرير يريحني من تأنيب الضمير ومن هاجس سمنة مفترضة، لا أحسب أني أعاني منها.
في غرفة نومي أزحت الستارة قليلاً، ومسحت المنطقة بعينيّ، كأني أطمئن على العالم قبل أن أمضي إلى القراءة. وبعد ساعة كان الصداع قد تلاشى، وقرأت خلال ذلك جزءا من رواية بدأتها بالأمس، ثم عدت من جديد لأنظر من النافذة، المنطقة كما هي غير أن أطفال الحي في بيوتهم،على غير العادة، ربما يشاهدون التلفزيون الآن، لكن عينيَّ توقفتا عند منظرغريب، كنت أنا فيه بعباءتي أمام البيت وأطل على تلك التي تنظر من الشرفة.
تسمرت في مكاني، وكتمت أنفاسي، ولفتني قشعريرة أدارت رأسي، كان شعر جسدي كله يتماوج ذهاباً وجيئة كأنه دبابيس تحرثني بلا رحمة. أتلك التي تقف أمام البيت هي أنا؟ أم أنا التي تنظر من الشرفة؟ أمسكت طرف الستارة وكورته بين أصابعي المتوترة، أنعمت النظر إلى تلك، وتحركت بل طارت يدي مني لترتطم بفنجان القهوة فانسكب على السجادة. ولا أدري كيف نزلت الدرج، ولا كيف صرت أمامها وجها لوجه.
هذا ما حدث لي حقيقة وليس جزءاً من القصة التي كتبتها قبل أسبوعين، والتي تبدأ بـ«حين سمعت في المرة الأولى ماقيل لي ابتسمت، ففكرة أن يوجد أحد يشبهك ليست أمراً غريباً، ثم يكتشف المرء بعد ذلك أن التشابه ليس إلا في الملامح العامة، وأن خيال الآخرين يبالغ أحياناً في تصوير ذلك الشبه. وهذا ما توقعته عندما أخبرتني زميلتي في الدورة التدريبية عن شدة التشابه بيني وبين أخرى تسكن في الحي الذي عشت فيه ووصفت لي بيتها، لكن قصر الدورة وانشغالنا بالتعرف على الآخرين لم يتح لها مجالاً للحديث عن هذا الموضوع.
وبمرور الأيام كنست تلك الحكاية الصغيرة من ذاكرتي. فلو كان حقاً هناك تشابه بيننا لربما أخبرني أحد بذلك على مدى تلك السنوات، فليس بين بيتها وبيتي سوى شارع رئيسي يقسم منطقة الخالدية في أبوظبي. فبينما يقع بيتها خلف الحديقة العامة المطلة على الشارع الرئيسي، يقع بيتي تحت خزان الماء الرئيسي فوق ربوة صغيرة محاطة بالأشجار. إن الأمر جد بسيط واحتمال الشبه الكبير بالتأكيد هو من صنع خيال زميلتي، التي ما إن رأتني مصادفة في العيادة حتى تساءلت من جديد: ألم تري تلك الفتاة التي تشبهك؟ وأخذت تقسم أنها طبق الأصل مني، وأن من يعرفني جيداً لن يفرق بيننا حتى أمي التي ولدتني لن تعرف أياً منا هي ابنتها.
شعرت بالصدمة من كلامها، ولأول مرة تسري القشعريرة في بدني كله، تلفه بسرعة هائلة مدوِّخة، في حين وقفت خلف رقبتي شعيرات قصيرة مستفزة وحائرة. لقد أرعبتني ثقتها بمدى التشابه بيني وبين تلك. ورغم ذلك تماسكت أمام تأكيدها، وغلفت مشاعري بابتسامة رقيقة متوترة، في حين جاء صوت الممرضة منادياً على زميلتي لينهي حديثنا. سيطر التوتر عليّ وازدادت نبضات قلبي، ولكي أزيح هذه الفكرة قلت لنفسي إن زميلتي قد تكون ممن يبالغون، غير أني ظللت في ذلك اليوم أعاني من بقايا هذا التوتر، وكنت أكرر كي أخفف توتري وأخدر رعبي من كلامها: بالتأكيد هي تبالغ، هي تتوهم الشبه، لأنها رأتني مرتين فحسب فلا يمكنها أن تجزم بذلك.
حين أجبت على هاتفي النقال، قالت لي مباشرة:
-هل كنت في جمعية أبوظبي التعاونية؟
صدمت من صديقتي منى التي قذفت سؤالها في مسامعي من دون مقدمات ولا سلام، وتسربت من بين شفتي «لا» بصوت خافت قليلاً، وبلا أي طعم أو شعور.
أحسست بأن الزمن قد توقف، وعاصفة عبرت بي في لحظة خاطفة. وجدتني في قعر بئر باردة مظلمة في مكان منقطع،لا أرى شيئاً أمامي، وقدماي تتأرجحان في الظلام والفراغ.
-ألو ألو.. هل أنت معي؟
ازدردت ريقي، وحاولت ترطيب لساني من هول المفاجأة، فحتى منى صديقة عمري لم تكن متأكدة.
وثم…أكملت بقية القصة التي أتخيل فيها شبيهة لي، وكتبت رسالة إلكترونية وبعدها ضغطت على الزر فأرسلت قصتي للملحق الثقافي لتنشر.
إلى هنا يبدو كل شيء عادياً جداً، لامرأة تحاول أن تعمل من فتات تعليقات عابرة قيلت لها قصة طريفة، هكذا تخيلت. وبالأصح أردت أن أتخلص مما ترسب في داخلي من كلام زميلتي رغم أنني لست متأكدة منه، وما قالته صديقتي منى التي تخلط الجد بالهزل، فيغدو الفارق بينهما عندي خيطاً رفيعاً، ولا أدري إن كنت صدقتها في حديثها عن الجمعية التعاونية. وهنا أجزم بأن ذلك كله حدث حقيقة، لكن ما حدث في ذلك المساء غير كل شيء، طاردتني لعنة قصة كتبتها ونشرتها، فاختلط الأمر علي.
لكنني الآن أمامها، هي ليست فتات تعليقات ولامن بنات أفكاري، هي أمامي أستطيع أن ألمسها، لقد رأيتها، نعم رأيت نفسي أمامها، حدقت في عينيها خلت أنني متماسكة قوية الأعصاب، وأنني أنظر في مرآتي، فحركت يدي فلم تتحرك يدها. هي ليست مرآة إذاً لأرى فيها نفسي، بل أخرى. التفت وعيناي أمامي قد خرجتا من محجريهما، كنا امرأتين اثنتين. غير أني تهت، فقد كنت هي بالتأكيد. عودها مثل عودي دون امتلاء في أي جزء من الجسد، كأننا خرجنا من قالب واحد. والهزال هو ذاته مع وجنتين بارزتين ورموش طويلة، لكنني لم أر باطن كفيها، ولا كيف رسمت فيه الخطوط. والعالم حولي هل تبدل؟ أستطيع أن أرى أن الحياة في ذلك المتر، الذي كنا نقف فيه، قد تجمدت، في حين شاعت فوضى رهيبة في داخلي، واختلط الأمر علي فلم أدر ما إذا كنت نائمة أم مستيقظة أم مخدرة. ركزت نظري في عينيها، وبدت الحياة في محيط نظري عادية جداً، فالبيوت ثابتة في مكانها، وبعض السيارات متوقفة أمام البيوت، ورأيت طرفاً من قارب جارنا المصبوغ باللون الأزرق. لاشيء مختلفاً في هذا الأصيل، غير أن هواء فبراير البارد كتم أنفاسه حولنا، والشمس ألقت جدائلها، بعد تعب يوم طويل، على البيوت. ليت النور يسقط في قلبي كي أفهم ما يحدث، أو يزداد فيحجب الأخرى فلا أقدر على رؤيتها. لقد أقفر المكان في ذلك المساء وبقيت وحيدة لا أدري إن كنت حقاً متزنة وقادرة على الوقوف لدقائق أخرى.
كنت أنا تلك، كنا تمرة شقت بهدوء إلى نصفين، لكن لون عينيها كان مختلفاً؛ ليس أسود ولا بنياً بل مختلف. أمسكت بيدها ويدي ورفعتهما معاً قليلاً كأنهما يد واحدة لسيدة ممتلئة. وبدت هي مبتهجة بملابس أخرى لا تشبه ما ألبسه من ثوب مطرز. فملابسها فيها رائحة بلادٍ بعيدة وتقاليد لا أعرفها. أنعمت النظر، وأفكاري دوامة تعتصر بقايا أعصابي. فأمي لم تلد معي توأماً، ولم تتزوج غير أبي، فمن تلك إن لم أكن أنا هي؟ مازالت قدماي مزروعتين في هذا الشارع الخالي، وأنا وحيدة في مساء غريب.
تنظر إلي مبتسمة بلا دهشة لشدة تشابهنا، فهل الأمر عندها عادي؟ بيد أنها تحملق في عيني فتربكني، كانت العروق تحت جلد رأسي تنبض بقوة، وأشعر بأن رأسي سينفجر، تغور بعينيها الملونتين في عينيّ، أبلع ريقي ويزداد ارتباكي إنها تدلف داخلي لعلها تسلبني ذاتي، وحدي الحائرة وهي المطمئنة. لعلها تدرك ذلك الشبه من وقت طويل قبل أن أدركه أنا. فأين كنت أنا حين ولدت وكبرت؟ وليس بيننا سوى مسافة قصيرة؟ كيف لم أرها ولم أدرك وجودها قبلاً؟ هل كنت من قبل عمياء لاترى، وطرشاء لا تسمع؟
أخرجت من جيبها صفحة من الملحق الثقافي مقصوصة بعناية، وأعطتني قصتي تلك. ولفرط دهشتي، ولكثرة ضجيج الأطفال الذين فارت الأرض بهم فجأة، لم أسمع منها سوى جملتين بلغة عربية مكسرة:
-أنت أنا، وأنا أنت..وفقدت كلمتين، والتقطت كلمتين اليوم وغداً.
وغادرتني، بل الأحرى غادرتها متجهة لبيتي الذي لم يكن خلف الحديقة العامة كما قيل، بل جميعنا نسكن تحت خزان الماء، و يفصل بيننا شارع صغير.
في اليوم التالي حين سألت الأطفال عن تلك المرأة، لم تكن إجاباتهم واضحة. وبقيت بعدها في حيرة مربكة لتتوالد الأسئلة بلا إجابة، لكني أشعر بوجود تلك الفتاة، غير أن الأسئلة بقيت معلقة من موقف ومن بقية قصة.
بعد أيام قال الأطفال لأمهاتهم إن جارتهم تلك لم يعد لون عينيها أسود، وأن حديثها صار بعربية مكسرة. |
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات :
غير مصنف |
أرسل الإدراج
|
دوّن الإدراج
مارس 26th, 2011 at 26 مارس 2011 4:30 م
كم هي مدهشة فاطمة المزروعي
رائعة قصة وجه الشبه.. تأخذنا إلى عوالم أخرى..
قصة تحمل دلالات موغلة في أعماق الذات الإنسانية..
شكرا على هذه الإلتقاطة..
تحياتي وتقديري
محمد
مارس 26th, 2011 at 26 مارس 2011 10:47 م
مساء الخير
مع اقتراب موعد الرحيل عن ارض مكتوب قررت ان اطوف بمدوناته التى احببتها ان اودعها لتبقى محفرة في داخلي
لتبقى في ذاكرتي كل تلك الوجه الجميل,كل تلك النصوص الرائع ,تلك الاقلام التي يبهرك ما تخط تقف مدهوشا و معجبا بحملت من فكر وادب
الان وداعا مكتوب لكن سنلتقي في ارض خصبة اخرى
دمت في حفظ الرحمن
سبتمبر 3rd, 2011 at 3 سبتمبر 2011 4:49 ص
الغالية مريم الرميثي ..
الغالية المهندسة مرينم الرميثي ..
أتيت متأخرا ..
فى يوم ما أرسلت لكي مجموعة قصصية لمريم الساعدي
و اليوم أتابع قرائتك للكاتبة فاطمة المزروعي
……
……
……
كيف أخبارك ؟
عرفت أنك تخرجت من الجامعة ,,, مبروووووووووووووك
كيف أحوالك ؟؟
مدونتي الجديدة
Motken.blogspot.com
يناير 16th, 2012 at 16 يناير 2012 11:49 ص
مريم ,,,,
اتة بوح منفرد ببرودة المكان ….
تحياتي
غبداللة مسعود